الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

64

تفسير روح البيان

والجهر يقال لظهور الشيء بافراط لحاسة البصر نحو رأيته جهارا أو حاسة السمع نحو سواء منكم من أسر القول ومن جهر به كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ اى جهرا كائنا كالجهر الجاري فيما بينكم بل اجعلوا صوتكم اخفض من صوته وتعهدوا في مخاطبته اللين القريب من الهمس كما هو الدأب عند مخاطبة المهيب المعظم وحافظوا على مراعاة جله لة النبوة فنهوا عن جهر مخصوص مقيد وهو الجهر المماثل لجهر اعتادوه فيما بينهم لا عن الجهر مطلقا حتى لا يسوغ لهم الا ان يتكلموا بالهمس والمخافتة فالنهي الثاني أيضا مقيد بما إذا نطق ونطقوا والفرق ال مدلول النهى الأول حرمة رفع الصوت فوق صوته عليه السلام ومدلول الثاني حرمة ان يكون كلامهم معه عليه السلام في صفة الجهر كالكلام الجاري بينهم ووجوب كون أصواتهم اخفض من صوته عليه السلام بعد كونها ليست بأرفع من صوته وهذا المعنى لا يستفاد من النهى الأول فلا تكرار والمفهوم من الكشاف في الفرق بينهما ان معنى النهى الأول انه عليه السلام إذا نطق ر نطقتم فعليكم ان لا تبلغوا بأصواتكم فوق الحد الذي يبلغ اليه صوته عليه السلام وان تغضوا من أصواتكم بحيث بكون صوته عاليا على أصواتكم ومعنى الثاني انكم إذ كلتموه وهو عليه السلام ساكت فلا تبلغوا بالجهر في القول الجهر الدائر بينكم بل لينوا القول لينا يقارب الهمس الذي يضاد الجهر أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ تا باطل نشود عملهاى شما بسبب اين جرأت وهو علة اما للنهي على طريق التنازع فان كل واحد من قوله لا ترفعوا ولا تجهروا يطلبه من حيث المعنى فيكون علة للثاني عند البصريين وللأول عند الكوفيين كأنه قيل انتهوا عما نهيتم عنه لخشية حبوط أعمالكم أو كراهته كما في قوله تعالى يبين اللّه لكم ان تضلوا فحذف المضاف ولام التعليل واما علة للفعل المنهي كأنه قيل انتهوا عن الفعل الذي تفعلونه لأجل حبوط أعمالكم فاللام فيه لام العاقبة فإنهم لم يقصدوا بما فعلوه من رفع الصوت والجهر حبوط أعمالهم الا انه لما كان بحيث قد يؤدى إلى الكفر المحبط جعل كأنه فعل لأجله فادخل عليه لام العلة تشبيها لمؤدى الفعل بالعلة الغائية وليس المراد بما نهى عنه من الرفع والجهر ما يقارنه الاستخفاف والاستهانة فان ذلك كفر بل ما يتوهم ان يؤدى اليه مما يجرى بينهم في أثناء المحاورة من الرفع والجهر خلا ان رفع الصوت فوق صوته عليه السلام لما كان منكرا محضا لم يقيد بشيء يعنى ان الاستخفاف به عليه السلام كفر لا الاستخفاف بأمر الرفع والجهر بل هو المؤدى إلى المنكر لأنهم إذا اعتادوا الرفع والجهر مستخفين بأمرهما ربما انضم إلى هذا الاستخفاف قصد الإهانة به عليه السلام وعدم المبالاة وكذا ليس المراد ما يقع الرفع والجهر في حرب أو مجادلة معاند أو إرهاب عدو أو نحو ذلك فإنه مما لا بأس به إذ لا يتأذى به النبي عليه السلام فلا يتناوله النهى ففي الحديث أنه قال عليه السلام للعباس بن عبد المطلب لما انهزم الناس يوم حنين اصرخ بالناس وكان العباس اجهر الناس صوتا ( يروى ) ان غارة أتتهم يوما اى في المدينة فصاح العباس يا صباحاه فاسقط الحوامل لشدة صوته وكان يسمع صوته من ثمانية أميال كما مر في الفتح وعن ابن العباس رضى اللّه عنهما